استولت النخبة الليبرالية على السلطة الثقافية وأعادت صياغة التعليم والخطاب العام منذ انشاء المدارس الحديثة في عهد محمد على وحتى نهاية “الفترة الليبرالية” في ١٩٥٢. وحين أممت الدولة الناصرية المجال العام، تقاطع خطابها التحديثي مع الليبرالية في جوانب عديدة، وأصبح التحديث هو الخطاب الشرعي والرسمي للدولة من مناهج التعليم حتى عروض “الثقافة الجماهيرية”. حكم الليبراليون – واليساريون، المستفيد الآخر من الخطاب التحديثي – المجال الثقافي، لكن رغم كل هذه السلطة فشلت الليبرالية (واليسار) في الهيمنة على فكر وثقافة الأغلبية. فكيف نفسر هذا الفشل؟

محاكمة تنظيم “جماعة المسلمين” في ١٩٧٧

نخبة فاسدة

التفسير الأول لهذا الفشل يعزوه لفساد النخبة الليبرالية. وفقا له، الليبرالية إيديولوجية أجنبية استوردتها النخبة التحديثية ابتداء برفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وانتهاء بما يعرف في مصر الآن بالتنويريين. تشربت هذه النخبة ثقافة غربية، وتعالت على الجماهير واصطدمت بمعتقداتهم الدينية وقيمهم التقليدية، ومن ثم ظلت أيديولوجيتهم الليبرالية فوقية منفصلة عن حياة الأغلبية وأفكارهم. وهكذا – وفقا لهذا التفسير – إن أراد الليبراليون المصريون النجاح فعليهم “النزول على الأرض” والانغماس في واقع الجماهير، وموائمة ليبراليتهم المستوردة مع القيم والثقافة الدينية والتقليدية.

هذا التفسير له أنصار من كل الكتل الفكرية والسياسية في مصر: من الإسلاميين إلى اليساريين مرورا بالليبرالين أنفسهم. وهو بلا شك يشرح جوانب هامة من قصة الليبرالية في مصر. لكنه “تفسير” يحتاج لتفسير. صحيح أن معظم الليبراليين العرب انعزلوا عن الجماهير وصاروا نخبة فوقية بدلا من أن يقودوا الحراك الفكري في مجتمعاتهم. لكن لماذا حدث لهم هذا؟ هل جاء هذا الانعزال نتيجة خيبتهم وقلة أصلهم أم أن هناك أسباب أعمق حالت بينهم وبين الهيمنة على فكر الأغلبية؟

Image result for ‫قاسم أمين ومحمد عبده وعلي عبد الرازق‬‎

لقد قضى الكثيرون من الليبراليين حياتهم محاولين “التواصل مع الجماهير”. لم يكونوا كلهم متنكرين لأصولهم منقطعين عن “الواقع”: ومن رفاعة الطهطاوي إلى ليبرالي ثورة يناير مرورا بمحمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد، ظل الكثيرون منهم على صلة دائمة بقراهم وجزء من مجتمعاتهم التي نشأوا فيها. ظلوا محل ترحيب واحترام في هذه المجتمعات التقليدية، ما لم يحاولون نشر أفكارهم التحريرية في هذه المجتمعات. أما حين حاولوا، لفظتهم هذه المجتمعات أو – في أحسن الأحوال – عزلتهم فكريا حتى وإن استمرت في القبول بهم اجتماعيا (غالبا من باب الوجاهة).

Related image

الليبراليون الذين اصطدموا بالقيم والأفكار السائدة في مجتمعاتهم خسروا، والليبراليون الذين حاولوا الموائمة معها خسروا أيضا. حين نشر قاسم أمين كتابه “تحرير المرأة” في ١٨٩٩، توخى فيه كل الحرص على التوائم مع الثقافة السائدة وفهمها للقيم والتعاليم الدينية. قصر مفاهيمه لحرية المرأة على ما “يدعو اليه الدين” وتقره الشريعة وبحث عن مسوغ ديني لكل فكرة طرحها. نفس منهج أستاذه وشيخه – محمد عبده –في تناوله لدور العقل وموائمته مع النقل، بل وتغليب النقل أحيانا إن تعارض مع العقل. نفس منهج الموائمة اتبعه الشيخ على عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذي فند فيه الفكرة القائلة بأن الخلافة واجب ديني. فند فكرة ضرورة الخلافة استنادا لأسباب وحجج دينية لا استنادا لقواعد عقلانية واعتبارات المصلحة السياسية. فهل أفادت الموائمة مع الثقافة السائدة أحد من هؤلاء؟ هل وسعت الموائمة من قبول الجماهير لأفكارهم عن المساواة بين الرجل المرأة؟ أو عن سيادة العقل والتفكير العقلاني؟ أو عن تحليل السياسة بالمصالح؟ الإجابة لا. انتصرت عليهم الأصوات الأكثر محافظة وتقليدية في فهمها للدين والمجتمع، فهمشت قاسم أمين ومحمد عبده وعلى عبد الرازق بل ووصمتهم أحيانا بالخروج عن الدين. ومازالوا هم وأفكارهم التحررية موصومين عند الأغلبية حتى اليوم. خسر التصادميون والتصالحيون، ولم تربح الليبرالية شيئا.

من الصعب إذا تفسير فشل الليبرالية باستراتيجيات الليبراليين؛ نحتاج لتفسير آخر.

الحداثة المشوهة

التفسير الثاني يعزو ضعف الليبرالية في مصر لضعف وتشوه عملية التحديث نفسها. وفقا لهذا التفسير، الحداثة المصرية بدأت ولم تكتمل: لم تبق النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية على حالها، ولا تطورت بشكل مستقل وأفرزت نموذجا متكاملا وفعالا – بل وقعت مصر في منزلة بين المنزلتين، وظل القديم والحديث يمزقانها دون أن يتمكن أحدهما من الهيمنة. ظل كل شيء مشوها وممزقا وعطلانا: لم تتحول لاقتصاد سوق رأسمالي بالكامل، ولا لدولة قومية بيروقراطية بالكامل، ولم يتحول المجتمع للفردية بالكامل، ولا هيمنت النزعة الإنسانية والتفكير العلمي بالكامل. التشوه – وفقا لهذا التفسير – هو السمة الغالبة على كل شيء،  وبالتالي ظلت الليبرالية – ابنة هذه التحولات وغطاءها الشرعي – شاحبة ومشوهة هي الأخرى. وفقا لهذا التفسير مصر ليست فقط “شبه دولة” كما قال الرئيس السيسي، بل أيضا شبه مجتمع وشبه اقتصاد وبالتالي ففكرها السياسي شبه ليبرالي وشبه يساري الخ.

Image result for ‫الكارو في شوارع مصر‬‎

هذا التحليل يقدم ولا شك وصفا لكثير من جوانب حياتنا، لكن هناك فارق بين وصف المشكلة وتفسيرها. نعم هناك تشوهات وتمزقات في مختلف جوانب حياتنا، وهناك هذا الخليط بين القديم والجديد وحالة من الشلل تحول بين انتصار طرف على آخر. لكن لماذا وصلت “حداثتنا” لهذا الشكل بدلا من الوصول لشكل متسق وفعال؟ لماذا لم “يكتمل” التحديث، وظلت “تشوهات” الحداثة وتناقضاتها قائمة بلا حل؟ ولماذا انتشرت الليبرالية واستقرت في مجتمعات أخرى تشبهنا في “عدم اكتمال” التحديث، كالهند وكوريا الجنوبية وبعض بلدان أمريكا اللاتينية؟

ربما نجد إجابات على هذه الأسئلة لو غيرنا نظرتنا للتحديث. لننحي جانبا النظر للحداثة باعتبارها نموذجا متكاملا، ولد وترعرع في المجتمعات الغربية ونقلناه عنهم فشوهناه أثناء النقل. وبدلا من ذلك ننظر إليها باعتبارها سلسلة من التغيرات التي تدفعها القوى الاجتماعية في اتجاهات مختلفة تتفق ومصالحها ورؤاها. المسار الذي تتخذه هذه التغيرات (أي مسار التحديث) يرسمه هذا التدافع بين القوى الاجتماعية وفقا لقوتها النسبية وظروفها. ولأن شكل هذه القوى ووزنها النسبي يختلف من مجتمع لآخر، ولأن الظروف السياسية والاقتصادية والجغرافية والثقافية تختلف من مجتمع لآخر، ولأن التوقيت الذي بدأت فيه عملية التحديث يختلف من مجتمع لآخر، فإن المسار الذي تتخذه عملية التحديث يختلف – بالضرورة – من مجتمع لآخر.

بشكل أبسط، بدلا من النظر للتحديث كأنه عملية تنزيل لنظام تشغيل كمبيوتر يحل محل النظام القائم، دعنا ننظر اليه وكأن نظام التشغيل الموجود اكتسب فجأة – نتيجة فيروس تسلل اليه – درجة من درجات الذكاء الاصطناعي فبدأ يطور نفسه بنفسه. نظام التشغيل الناتج عن عملية التطوير هذه سيعتمد على قدرات الجهاز ومواصفاته وأنواع البرامج الموجودة عليه بالفعل وتواتر استخدام كل برنامج. وبالتالي سيكون كل نظام تشغيل فريد في أشياء ويشبه النظم الأخرى في أشياء.

بنفس الطريقة، بدأت عملية التحديث في مصر منذ أكثر من مئتي عام وظلت القوى الاجتماعية (المسيطرون على الدولة، المسيطرون على الاقتصاد، المسيطرون على المجتمع، المسيطرون على الفكر والثقافة) تدفع بعملية التحديث هذه في اتجاهات مختلفة حسب مصالحها ورؤاها، وذلك في ظروف مصر التاريخية التي نعرفها. وبالتالي اتخذ التحديث مسارا هو بالضرورة مختلف عن مساراته في المجتمعات الغربية. وأفرز نتائج مختلفة عن نتائج التحديث في المجتمعات الغربية. ولا يمكن منطقيا – وفق هذه النظرة – أن تتماثل عمليات التحديث في مجتمعين لأن مواصفات كل مجتمع وقدراته وسمات الإقليم الذي يعيش فيه ونوع البرامج التي كانت سائدة فيه عند “بدء التحديث”. قد تتشابه المجتمعات المتشابهة في الظروف والسمات، لكن حتى هذه تتشابه ولا تتطابق.

لا يعني هذا المنهج اعتبار كل أشكال التحديث متساوية في الكفاءة أو الفاعلية أو درجة الاتساق والتشوه. لكنه يعني أن فهم “تشوهات” – أو مشاكل – الحداثة المصرية لا يتم من خلال قياسها على الحداثة الإنجليزية أو الفرنسية أو الأمريكية وإنما من خلال فهم خصوصية مسارها؛ فهم كيفية تصارع قوى المجتمع المصري حول التحديث، وقوة وخصائص كل قوة، والمصالح والرؤى التي تتصارع حولها، وخصائص الإطار الذي تتصارع فيه. يعني أيضا التخلي عن أوهام “اللحاق” بغيرنا، و”إكمال” التحديث، و”التنوير”، وبقية هذه القائمة القديمة قدم التحديث نفسه. باختصار، لكي نفهم أسباب انتشار ايديولوجيات وانحسار أخرى، علينا فهم خصوصية عمليات التحديث المصرية والمسار الذي تسير فيه.

تعليق واحد على “لماذا لم تنتصر الليبرالية في مصر؟”

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: